فخر الدين الرازي

80

تفسير الرازي

السابع : أنه مخلوق من عجل ، قال تعالى : * ( خلق الإنسان من عجل ) * ( الأنبياء : 37 ) الثامن : قال تعالى : * ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) * ( البلد : 4 ) أما الحكماء فقالوا : إنما خلق آدم عليه السلام من تراب لوجوه : الأول : ليكون متواضعاً الثاني : ليكون ستاراً الثالث : ليكون أشد التصاقاً بالأرض ، وذلك لأنه إنما خلق لخلافة أهل الأرض ، قال تعالى : * ( إني جاعل في الأرض خليفة ) * ( البقرة : 30 ) الرابع : أراد إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام وابتلاهم بظلمات الضلالة ، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو ألطف الأجرام وأعطاهم كمال الشدة والقوة ، وخلق آدم عليه السلام من التراب الذي هو أكثف الأجرام ، ثم أعطاه المحبة والمعرفة والنور والهداية ، وخلق السماوات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الهواء حتى يكون خلقه هذه الأجرام برهاناً باهراً ودليلاً ظاهراً على أنه تعالى هو المدبر بغير احتياج ، والخالق بلا مزاج وعلاج الخامس : خلق الإنسان من تراب ليكون مطفئاً لنار الشهوة ، والغضب ، والحرص ، فإن هذه النيران لا تطفأ إلا بالتراب وإنما خلقه من الماء ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء ، ثم إنه تعالى مزج بين الأرض والماء ليمتزج الكثيف فيصير طيناً وهو قوله * ( إني خالق بشراً من طين ) * ثم إنه في المرتبة الرابعة قال : * ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) * والسلالة بمعنى المفعولة لأنها هي التي تسل من ألطف أجزاء الطين ، ثم إنه في المرتبة السادسة أثبت له من الصفات ثلاثة أنواع : أحدها : أنه من صلصال والصلصال : اليابس الذي إذا حرك تصلصل كالخزف الذي يسمع من داخله صوت . والثاني : الحمأ وهو الذي استقر في الماء مدة ، وتغير لونه إلى السواد . والثالث : تغير رائحته قال تعالى : * ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) * ( البقرة : 259 ) أي لم يتغير . فهذه جملة الكلام في التوفيق بين الآيات الواردة في خلق آدم عليه السلام . المسألة الرابعة : في الآية إشكال ، وهو أنه تعالى قال : * ( خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) * فهذا يقتضي أن يكون خلق آدم متقدماً على قول الله له * ( كن ) * وذلك غير جائز . وأجاب عنه من وجوه الأول : قال أبو مسلم : قد بينا أن الخلق هو التقدير والتسوية ، ويرجع معناه إلى علم الله تعالى بكيفية وقوعه وإراداته لإيقاعه على الوجه المخصوص وكل ذلك متقدم على وجود آدم عليه السلام تقديماً من الأزل إلى الأبد ، وأما قوله * ( كن ) * فهو عبارة عن إدخاله في الوجود فثبت أن خلق آدم متقدم على قوله * ( كن ) * . والجواب الثاني : وهو الذي عول عليه القاضي أنه تعالى خلقه من الطين ثم قال له * ( كن ) * أي